![]() |
| شريف و ريما |
رواية شريف وريما ولكلٍّ منّا من اسمه نصيب
إلى متى سأظل أحتمل أن تُهان كرامتي عمدًا باسم الحب؟ وكيف تفهم الحب؟! من الذي قال لك إن الحبيب بإمكانه أن يهين حبيبه؟ وأين الحب الذي تدّعيه لي؟
أليس الحب كالوطن؟ ينبغي علينا أن ندافع عنه ونحميه من الأعداء؟ كم يتجرّع المرء جرعات من الألم، أَيصبح ارتشاف الإهانة كارتشاف الماء أمرًا ضروريًا؟
ذكور يدّعون الرجولة، ويعتقدون بأن لهم الحق في إهانة أيّ كان، وقتما كان، حسب أهوائهم.
قالت كلماتها وهي تصرخ وتبكي، وكأنها تفقد شيئًا من كبريائها، وأكثر؛ ذلك الحلم الذي يراودها كل يوم يخيفها أكثر مما تخاف من أي شيء. الإحساس بالفقد ليس أمرًا سهلًا، وهي فتاة صغيرة لم تتجاوز الخامسة، أُخذت من حضن أمها إلى دار أيتام.
لم يُجبها.
بقي صامتًا، وكأنه تحت تأثير مخدّر غريب؛ يجعلك يقظًا، مدركًا لكل ما يدور حولك، لكنك عاجز عن النطق أو الحركة. والألم هذه المرة لم يكن في الجسد، بل في الروح نفسها.
تخطّت الصدمة ملامح وجهه، وأخذ يرتجف، وكأن الشتاء قد حلّ في عزّ الصيف.
ولكن، من قال إن الرجفة سببها البرد فقط؟
فكم ارتجفنا وتجمدنا من كلمة، أو حديث واحد، كان أقسى من أن تحتمله أرواحنا.
رواية شريف وريما ولكلٍّ منّا من اسمه نصيب - الحيرة
مرت ساعة كاملة وهي تلقي لومها الثقيل وتروح وتجيء في أربعة أمتار، في غرفة صغيرة سقفها متدنٍّ قليلًا، جدرانها باهتة اللون، يكاد الطلاء يتمزق ويتناثر من نسمة هواء. هناك باب صغير مفتوح تمامًا ليصل بالمطبخ الصغير، فيه حوض بسيط جدًا لغسل الأواني، وفيه بعض الأدوات التي تلزم شابًا أعزب، إمكانياته المالية بقدر الحال. وهناك ستارة سوداء تفصل بين المطبخ والحمام.
وفي زاوية الغرفة سرير خشبي ليس بالعريض، يعتليه غطاء لونه يميل إلى اللون الأصفر بدل الأبيض، وفي زاوية أخرى أريكة بنية مقبولة إلى حد ما، وقبالتها كرسي متحرك هزاز صنعه بنفسه من بقايا الخشب التي جمعها عند العم إبراهيم، فهو كثيرًا ما يسمح له عند انتهاء دوام عمله عنده بأن يحتفظ ببعض بقايا الخشب.
لم تتوقف ريما عن البكاء، ووحده الله يعلم ماذا في جوفها، ولمَ كل هذا البكاء. كانت عندما تتعب تجلس بهدوء على الأريكة الثابتة، فهي تخاف أن تفاجئها دوخة لازمتها منذ عدة أيام، ولم تُعاين عند الطبيب. كان يشغلها أمر أهم بكثير من صحتها، وتبحث عن سبب بسيط يجعلها تفهم ما كل هذا الانفعال.
تلك الأفكار التي كانت تدور في رأس شريف أتعبته. كيف يفهمها؟ أيأتي مواسيًا لبكائها، أم معاتبًا لكلماتها؟ هل يوضح كل شيء؟ أيقول: توقفي عند هذا الحد، أم لا بأس، ستهدأين بعد قليل؟ كل ذلك وأكثر عبّر عنه بصمته فقط، وما أكثر ما يتعبنا صمتنا في ظل ما يجول في عقولنا.
كان ذلك من أصعب اللحظات التي مرّت على ريما وشريف منذ لحظة تعرّفهما إلى بعضهما. فلم يصلا يومًا إلى نصف تلك المرحلة من قبل.
شاهد فيديو ان لم تعلنها حربا لاجلي
اقرأ ايضا رواية أقدار رواية درامية اجتماعية
أومأ برأسه بعد أن نظر إليها نظرة عتاب، تلك اللحاظ ما كانت عبثًا. يكفيه أنه ولأول مرة منذ بدء علاقتهما يراها بهذا الشكل، وهو في حيرة تامة. فلو أنها هدأت، لسأل ماذا هنالك، ولكن تلك الأخلاق الحميدة التي تعلمها من العم إبراهيم أجبرته أن يكون بكل هذا الهدوء، رغم ما يعصف بداخله.
![]() |
| تبادل الاحاديث |
رواية شريف وريما ولكلٍّ منّا من اسمه نصيب - انطفاء الصمت
فما إن لبث أن وجد في يديه كوبين من القهوة، دون أن يدرك كيف حضّرهما وكيف وصلا إلى يديه، تقدّم نحو ريما بهدوء وانطفأ صمته:
"رفقًا بحالك، ريما. خذي قهوتك، وهدّئي من روعك، وقولي لي ماذا فعلت لك."
حاول أن يقترب منها ممسكًا يدها، ولكنها اكتفت بأخذ قهوتها وجلست مكانها.
"إلى متى يا شريف؟ إلى متى سيظل حالنا هكذا؟ ألا يهمك هذا؟ ألا تفعل شيئًا من أجلي؟"
_ "أنا !!! أتراهنين على ما قد أفعله من أجلك؟!"
_ "أبي لم يوفر لحظة واحدة ليهينني فيها، وزوجته الشمطاء ، رولا ، لا تنفك عن العبث بعقله، وتؤلف قصصًا عني، وهو يصدق كل ما تقوله. أتراه أبًا فعلًا؟!"
_ "هانت يا ريما، هانت. اصبري قليلًا، فرج الله قريب."
_ "وما زلت أنتظر ذلك الفرج. إما أن يأتي وينتهي كل شيء، وإما أن أنتهي أنا. أعتقد بأن رأسي لم يعد يحتمل كل هذا، تلازمني دوخة منذ عدة أيام، أحتاج أن أخرج من هذه الدوامة."
_ "سنخرج معًا، لا تقلقي."
_ "لو كنت مكاني، لما تحدثت عن القلق. تخيل أن حياتي كلها قلق. قلقة من كل نظرات زوجة أبي، وأخاف أن أفعل عكس ما تريد، فأقع في مصيدتها التي تحيكها لي؛ لأجل أن تجد شيئًا واحدًا تخبره لأبي. هي لا توفر أبسط المواقف. حتى في الفترة الأخيرة أصبحت أخرج سرًا عند غيابهما عن المنزل. أنا هنا الآن، ولكن لا أعلم ما الذي سيحدث عند عودتي، بينما الجميع يرى المنزل أمانًا ونعمة، أراه كابوسًا، وأنت تحدثني عن القلق."
_ "برأيك، ما الذي عليّ فعله؟ إن كان أبوك لا يقبل بعريس وضعه كوضعي، يريد رجلًا ميسور الحال، وأنا والفقر أخوان. يريد بيتًا كبيرًا لك، وأنا أستر نفسي بهذه الغرفة التي تفضّل عليّ بها العم إبراهيم، جزاه الله كل خير. كيف أتقدم لخطبتك؟ سرعان ما سيطردني."
_ "ولمَ لا تبحث عن وظيفة بشهادتك؟ أليس بإمكانك؟"
_ "بحثت كثيرًا، ولم يقبل أحد بتوظيفي، فليس هناك مقاعد شاغرة. فشهادتي كلوحة أعلّقها على حائط، أكتفي بالتحديق إليها."
_ "هذا ليس منطقيًا، أنت في عزّ شبابك الآن، يجب أن تعمل ليلًا ونهارًا. عملك في الخشب مع العم إبراهيم لا يكفي."
_ "سأبحث عن عمل آخر، ادعي لي، لعل دعاء أحدنا يُستجاب."
_ "سأفعل بالتأكيد."
خرجت وهي تمسح دموعها وتحاول أن تبدو طبيعية بقدر ما يمكنها. كانت في كل خطوة تدعو ألّا تجد أباها وزوجته قد وصلا قبلها إلى البيت، فلو اكتشفا أمر خروجها، لن يمرّ الأمر مرور الكرام.
يتبع ...
بقلم الأنامل اللبنانية:
" ندى خلف "

