رواية أقدار ما لم يُقَل في العائلة
كان المساء قد حلّ بهدوءٍ ثقيل، ذلك النوع من الهدوء الذي لا يريح، بل يربك.
في بيت أشرف وجمانة، اجتمعت العائلتان على عشاءٍ متواضع، كأنه محاولة غير معلنة لإقناع أنفسهم بأن كل شيء ما يزال طبيعياً.
وضعت جمانة صحن الحساء أمام فرح، ثم توقفت لحظة، كأنها نسيت شيئاً.
— هل تفضلينه ساخناً أكثر؟ سأعيد تسخينه.
رفعت فرح رأسها مبتسمة:
— لا، هكذا جيّد… شكراً ماما.
تجمّدت الكلمة في الهواء.
ماما.
لم يظهر على جمانة شيء، لكن يدها ارتجفت قليلًا وهي تعيد الملعقة إلى مكانها.
في الجهة المقابلة، كانت بثينة تراقب المشهد بصمت، تشعر بوخزةٍ غير مبرّرة في صدرها، وكأن الكلمة التي قيلت بحب، أيقظت سؤالًا لا تريد سماعه الآن.
قالت نرجس فجأة، بنبرةٍ عفوية:
— ماما… هل كنتِ تحبينني وأنا رضيعة؟
سقط السؤال كحجرٍ صغير في ماءٍ راكد.
لم يكن سؤالًا خطيراً، لكنه جاء في توقيتٍ لا يحتمل البراءة.
نظرت بثينة إلى ابنتها، ثم إلى المائدة، ثم عادت بعينيها إليها.
— بالطبع… لماذا تسألين؟
ترددت نرجس لحظة، ثم قالت بصوتٍ منخفض:
— لا أعرف… فقط أشعر أنني كنتُ أبحث عن شيء منذ زمن طويل.
ساد الصمت، حتى الملاعق توقفت عن الحركة.
أشرف أطرق رأسه، كأنه يراجع في ذاكرته كل الأكاذيب البيضاء التي قالها لنفسه كي ينام ليلًا.
نبيل شبك يديه بقوة، يشعر بأن البيت أضيق من أن يحتمل هذا الصدق المفاجئ.
قال طارق محاولاً كسر الجو، بنبرةٍ أخف مما يشعر:
— أحياناً نسأل أسئلة بلا سبب… العقل يلعب بنا لا أكثر.
لكن لا أحد ابتسم.
فرح نظرت إلى نرجس، ثم قالت بصوتٍ بالكاد يُسمع:
— أنا أيضاً… أشعر بذلك.
رفعت جمانة رأسها بسرعة:
— بماذا؟
ترددت فرح، ثم ابتلعت كلماتها.
— لا شيء… مجرد تعب.
كانت الكذبة واضحة، لكنها مقبولة.
في تلك اللحظة، لم يكن أحد مستعداً لسماع الحقيقة كاملة.
قامت بثينة من مكانها بحجة إحضار الخبز، لكنها توقفت في المطبخ، أغمضت عينيها للحظة، وشعرت للمرة الأولى أن الأمومة، رغم كل الحب، يمكن أن تكون هشّة…
كزجاجٍ رقيق، يكفيه سؤال واحد ليُصدر ذلك الصوت الخافت الذي يسبق الانكسار.
وفي غرفة الجلوس، ظلّ الجميع حول المائدة، يتشاركون الطعام ذاته، والخوف ذاته، والحقيقة التي يعرفون أنها قادمة… لكنهم لا يعرفون من سيكون أول من يعجز عن احتمالها.
رواية أقدار - الحقيقة التي خافت منها العائلة
كانت بثينة وجمانة تجلسان في الغرفة ذاتها، لكن بينهما مسافة لا تُقاس بالأمتار، بل بالأسرار.
تبادلتَا الحديث بلباقةٍ زائدة، وكأن كل واحدة منهما تخشى أن تنزلق كلمة عفوية فتفتح باباً لا تعرف كيف تُغلقه.
كانت بثينة تراقب جمانة من طرف عينها.
ترى في ملامحها انعكاس خوفٍ تعرفه جيداً، خوف الأم التي تخشى أن تُسأل فجأة، ما الذي سيتبقّى لكِ إن عرفت ابنتكِ كل الحقيقة؟
أما جمانة، فكانت تشعر بأن قلبها يخفق أسرع كلما ذُكرت نرجس أو فرح في الجملة ذاتها،
وكأن الجمع بين الاسمين بات يهدد توازناً بُني على الصمت طويلًا.
قالت بثينة بهدوء متعمَّد:
— البنات متعلقتان ببعضهما كثيراً… هذا طبيعي.
هزّت جمانة رأسها موافقة، لكن يديها كانتا متشابكتين بقوة فوق حجرها.
— نعم… طبيعي، ردّت، ثم صمتت، لأن ما أرادت قوله لم يكن كذلك.
كان الخوف الحقيقي يسكن السؤال الذي لم تنطق به أيٌّ منهما، هل سنبقى أمهاتهن حين يعرفن كل شيء؟
لم يكن الخوف من فقدان البنات جسدياً، بل من ابتعادٍ داخلي، من نظرة جديدة قد تحمل شكراً… لكن بلا حاجة.
مرّت لحظة ثقيلة.
صوت ساعة الحائط بدا أعلى من المعتاد، كأنه يذكّرهما بأن الزمن لا يعود إلى الوراء، وأن ما أُخفي يوماً سيُقال يوماً ما، مهما طال الانتظار.
قالت جمانة أخيراً، بصوتٍ خافت أقرب للاعتراف:
— أنا خائفة… ليس من الحقيقة، بل من اليوم الذي تنظر فيه فرح إليّ، ولا تراني أمّها كما كانت.
رفعت بثينة رأسها فجأة، وفي عينيها دمعة معلّقة.
— وأنا كذلك، قالت، أخاف أن تظن نرجس أن حبّي كان تعويضاً، لا اختياراً.
تلاقت نظراتهما للمرة الأولى بصدقٍ كامل.
لم تعودا امرأتين تفصل بينهما الظروف، بل أمّين توحّدهما الخشية ذاتها.
مدّت بثينة يدها ببطء، وضعتْها فوق يد جمانة.
— نحن لم نسرق أحداً، قالت بثباتٍ مرتجف، انما أنقذنا قلبين صغيرين… وربيناهما بحب.
ابتسمت جمانة ابتسامة باهتة، لكنها صادقة.
— أعرف… لكن القلب، حين يخاف، لا يستمع للعقل.
وفي الخارج، كانت نرجس وفرح تضحكان على شيءٍ عابر،
غير مدركتين أن خلف هذا الضحك،
كانت أمهاتهن يتعلمن كيف يحببن…
وهنّ خائفات.
رواية أقدار - حين بدأ الماضي يتكلّم
لم يكن اسم العم إبراهيم يُذكر في البيت إلا ويخلف وراءه صمتاً قصيراً، كأن الكلمة نفسها تحمل وزناً لا يُحتمل.
كان الاسم باباً موارباً على حقيقةٍ لا يعرف أحد كيف ستخرج… ولا إن كانت ستخرج أصلًا.
في تلك الليلة، جلست فرح على سريرها، اللوحات متكئة على الجدار كأنها تراقبها. حاولت أن ترسم، لكن يدها كانت ترتجف. كل خطٍّ تخطه كان ينتهي بشيءٍ غريب… وجهان متشابهان، عينان تحدقان فيها من عمق الورق.
وضعت القلم جانباً، وأغمضت عينيها وقالت لاختها:
ماذا لو عرفنا الحقيقة؟
وماذا لو كانت الحقيقة أقسى من الجهل؟
سمعتها نرجس وهي تجلس أمام المرآة. حدّقت طويلًا في انعكاسها، ثم همست:
— من نحن فعلاً؟
لم تكن تخاطب أختها، بل تلك المساحة الغامضة التي نشأت بين اسمها الحقيقي والاسم الذي عاشت به عمرها كله.
كانت تخشى أن يأخذ منها الجواب أكثر مما سيعطيها.
دخلت بثينة الغرفة بهدوء:
— لم تنامي بعد؟
هزّت نرجس رأسها.
— ماما… هل يجب أن نذهب فعلًا؟
توقفت بثينة عند الباب.
ذلك السؤال كان يخيفها أكثر من أي اعتراف.
— لماذا هذا التردّد الآن؟
خفضت نرجس عينيها:
— أخاف أن أسمع شيئاً… لا أستطيع أن أعود بعده كما كنت.
جلست بثينة إلى جانب فرح ونرجس، وضعت يدها على كتفيهما، لكن لم تقل شيئاً.
كانت تفكر بالسؤال ذاته، لكنها لم تجرؤ على النطق به.
كانت جمانة تقف عند نافذة المطبخ، تنظر إلى الشارع الخالي.
قالت لأشرف بصوتٍ خافت:
— ماذا لو ندمنا؟
التفت إليها:
— على ماذا؟
— على فتح هذا الباب…
— بعض الأبواب، إن لم نفتحها، تفتحنا من الداخل.
لم تجبه. كانت تعرف أنه محق، لكنها كانت تخشى اللحظة التي ستنظر فيها فرح إليها بعينين مختلفتين.
![]() |
| خوف فرح |
رواية أقدار - ذاكرة لم تشأ أن تنسى
في صباح اليوم التالي، اجتمع الجميع في الصالة.
كان القرار معلّقاً في الهواء.
قال نبيل أخيراً:
— العم إبراهيم لن يبقى شاهداً صامتاً إلى الأبد.
نظرت فرح إلى نرجس، ثم قالت ببطء:
— أنا خائفة…
— وأنا أيضاً، ردّت نرجس فوراً.
ثم، بعد صمتٍ قصير، أضافت فرح:
— لكني أخاف أكثر أن أبقى هكذا… نصف قصة.
اقتربت نرجس منها، أمسكت يدها بقوة.
— إذن نذهب… معاً.
لم يكن ذلك إعلان شجاعة،
بل اعترافاً مشتركاً بالهشاشة.
وفي تلك اللحظة، لم يكن أحد يعلم
هل العم إبراهيم يحمل لهم الحقيقة…
أم يحمل النهاية الأولى لكل ما ظنّوه ثابتاً.
رواية أقدار - عودة العم إبراهيم
عاد العم إبراهيم من سفرهِ ؛ اتفق الجميع على الذهاب لرؤيته في المكتبة لمعرفة القصة الكاملة.
لم يكن الطريق إلى مكتبة العم إبراهيم طويلًا في المسافة، لكنه بدا أثقل من أن يُحتمل.
سارت السيارتان ببطءٍ غير معلن، كأن العجلات نفسها تشعر بثقل ما يُنتظر في نهايته.
في سيارة نبيل، كان الصمت سيّد المقعد الأمامي.
قبض على المقود بقوة، لا لأنه يخشى الطريق، بل لأنه يخشى أن ينزلق منه ما ظلّ ممسكاً به سنوات طويلة، صورة الأب الحامي، واليقين الذي ربّى عليه نرجس.
كان يشعر، للمرة الأولى، أنه يسير بابنته نحو حقيقة قد تجرحها… وربما تجرّده هو من دوره الذي عاشه بإخلاص.
بثينة جلست بجواره، تحدّق عبر النافذة دون أن ترى شيئاً.
تستعيد في داخلها صورة الطفلة التي احتضنتها أول مرة، صغيرة، دافئة، لا تعرف من الدنيا سوى نبض صدرها.
كانت تخشى سؤالًا واحداً لم يُطرح بعد:
هل سيكفي الحب حين تُقال الحقيقة كاملة؟
لم تنطق، لكنها شدّت على حقيبة يدها كما لو كانت تمسك قلبها كي لا يسقط.
في السيارة الأخرى، كان أشرف أكثر توتراً مما أراد أن يُظهره.
الرجل الذي طالما آمن بالمنطق، وجد نفسه الآن أمام قدر لا تُقاس أبعاده بالحساب.
كان يخشى أن يكون الماضي الذي سيُفتح أثقل من قدرة فرح على الاحتمال،
ويخشى أكثر… أن يكتشف أنه لم يكن سوى محطة في حياة لم تبدأ به.
جمانة، من جانبها، كانت تحاول أن تكون قوية، لكن عينيها فضحتاها.
كلما تذكرت ضحكة فرح في طفولتها، شعرت بوخزٍ خفي،
هل أخفيت عنها شيئاً كان يجب أن تعرفه؟
كانت تعلم أن الأمومة لا تُقاس بالدم، ومع ذلك… خافت من لحظة قد تُجبرها على الدفاع عن مكانها في قلب ابنتها.
أما فرح ونرجس، فكانتا في قلب العاصفة.
تجلس كل واحدة منهما إلى جوار عائلتها، لكنها تشعر بأنها تعبر الطريق وحدها.
كان داخلهما خليط متناقض، لهفة لمعرفة الحقيقة، وخوفٌ منها، أمل بأن يجدوا والدين ينتظران،
ورعب من أن يكون الانتظار قد طال أكثر مما ينبغي.
لم يتبادل أحدٌ كلمات كثيرة.
كل ما قيل في الطريق كان يُقال داخل الصدور.
وكان الجميع، دون استثناء، يدرك أن هذا الطريق…
ليس ذهاباً إلى رجلٍ يعرف القصة،
بل عبورٌ جماعي نحو ما بعد الحقيقة
رواية أقدار - رجلٌ يحمل نصف الحكاية
دخلوا إلى المكتبة ،وكان بانتظارهم ورحب بهم وطلب منهم الجلوس في قاعة المطالعة ، ووضع عبارة مغلق على الباب الرئيسي ؛لكي لا يدخل عليهم أحد.
كان العم إبراهيم في العقد السادس من العمر، كان رجلًا ذو ملامح جميلة ولديهِ لحية بيضاء خفيفة.
العم إبراهيم ليس منقذاً، بل شاهداً مثقلاً بالذنب، ومبتسماً طوال وقت الترحيب بهم ، مما بعث الجميع على الارتياح .
وأغلق الباب، وكأنهم يستعدون لفتح صندوق الزمن.
نظر إليهما مبتسماً بحزن يشوبه ذكريات الماضي الأليم:
— وأخيراً… ظهرت الحقيقة.
قالت فرح بثبات:
— ليس كلها بعد، يا عم إبراهيم.
نظر إليهما طويلًا:
— كبرتما… كثيراً. ما اسمكما؟
— فرح… ونرجس.
تنهد:
— أعرف قصتكما أكثر مما تظنّان… لكن ما سأقوله الآن سيغيّر كل شيء.
قال نبيل: منذ أكثر من عشرين سنة أخبرتني أن هناك عائلة تعرض ابنتهم للتبني على وجه السرعة فأتيت و أخذتُ أحدى الصغيرتين، وكان واضحا أن والدهم كان في ورطة بعد أن قرر أهله قتل الطفل حين ولادته .
رأت الشقيقتان بعضهما بالصدفة ونحن أخبرناهما أنهما شقيقتين، لعلمنا أن والدتهما أنجبت بنتين في يوم الولادة .
قال العم إبراهيم بهدوءٍ عميق، وهو يعيد نظارته إلى مكانها:
— لا، لم تكن العائلتان سيئتين كما تظنان.
كانتا عائلتين قويتين… والقوة حين تجتمع مع الخوف، تتحول إلى قسوة دون أن يشعر أصحابها.
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت تنفّس نرجس المتسارع.
قالت بصوتٍ مخنوق:
— وهل كان حبّهما ذنباً؟
هزّ إبراهيم رأسه:
— في أعينهم، نعم.
كان الحب تهديداً، لا شعوراً.
تابع:
— حين علم ملحم الجمال بعلاقة ابنه، اعتبرها خيانة مزدوجة، خيانة للعائلة، وخيانة للمصالح.
أما زياد الحاج، فكان يرى في زينة نقطة ضعف قد تُستغل ضدّه.
رواية أقدار - نسبٌ يُعاد اكتشافه
حين نطق العم إبراهيم باسمَي صافي الجمَال وزينة الحاج، لم يحدث شيء ظاهر.
لا صرخة، لا دموع، ولا دهشة صاخبة كما في الحكايات.
لكن داخل نرجس، انفتح الاسم كجرحٍ قديم لم تكن تعلم بوجوده.
الجمَال…
شعرت به ثقيلاً، لامعاً، ومخيفاً في آنٍ واحد، كأنه ميراث لا يُحمل باليد بل على الصدر.
أما فرح، فابتسمت ابتسامة خافتة لا تشبه الفرح.
كانت تحاول أن تُجرّب الاسم في داخلها، تردّده بصمت، كأنها تقيس إن كان يناسبها أم لا.
شعرت فجأة أن حياتها السابقة لم تكن كذبة، لكنها كانت ناقصة… ناقصة اسماً فقط.
تبادلت الأختان نظرة قصيرة.
لم تقل أيٌّ منهما شيئاً، لكن كلتيهما فهمتا منذ هذه اللحظة، لم تعودا كما كانتا قبلها.
![]() |
| قصة حب صافي وزينة |
ارتبكت فرح قليلًا، وبدأ قلبها يدق بسرعة:
— ماذا حصل بالضبط؟
تنفّس إبراهيم بعمق:
— صافي وزينة، والديكما، هربا وتزوجا سراً، وبعد عدة أشهر سمع الجدان بحمل زينة.
وهنا… بدأ الجحيم الحقيقي.
ارتجفت يد نرجس:
— هل رفضنا والدنا ووالدتنا؟
— لا، قال إبراهيم بحزم، بل حاولوا حمايتكما بأقصى ما يستطيعان.
نظر إلى أشرف ونبيل، ثم عاد بنظره إلى الفتاتين:
— هددهما الجدّان معاً.
ملحم هدّد بقتل الجنين لحظة ولادته،
وزياد هدّد بحرمان زينة من اسمها ووجودها إن لم تُنهِ العلاقة فوراً وتتخلص من هذا العار الذي الحقته بالعائلة.
شهقت فرح:
— ها, وماذا جرى حينها؟
ردت نرجس بتوسل:
- أرجوك ياعمي، أخبرنا القصة بالتفصيل، لم أفهم شيئاً.
— هربا.
اختفيا أشهراً،
وحين وُلدتما… كان القرار الأصعب.
انهمرت دموع بثينة وجمانة بصمت، كأن القصة أيقظت فيهما وجعاً لم يعيشاه، لكنهما حملتاه.
قال إبراهيم بصوتٍ متهدّج:
— قال لي والدكما:
«إن بقينا معهما، سنقتلهما بأيدينا.
وإن فرّقناهما… قد نُنقذ واحدة على الأقل.»
خفضت نرجس رأسها، وهمست:
— إذاً… كنا تضحية.
قال إبراهيم:
— بل كنتم نجاة.
نظر العم إبراهيم باتجاه نبيل وأشرف وقال باستغراب: أنت والسيد أشرف؛ كيف تعرفتم ؟
- قال أشرف: عن طريق اتصال البنتين ببعضهما تواصلنا نحن الكبار أيضا أملاً بالمساعدة .
- قال إبراهيم للفتاتين : أنا لم أُعرّف نبيل وأشرف ببعضهما حتى لا يتوصل جدكما إلى أماكنكم ؛ فقد أخبرتهُ والدتكم أنها أنجبت بنت واحدة وماتت عند الولادة، فقلتُ لنفسي إذا تحرى جدك عن الموضوع وعلم بأن البنت حية ترزق قد يقتلها، فإذا افترقا قد تنجو أحداهما.
أرجو أني لم اقترف اثماً كبيراً في مساعدة والدكما بالتفريق بينكما. فليسامحني الله.
فقالت نرجس متلهفة:
- ماحصل قد حصل.! الآن نريد معرفة القصة كلها، ولا أحد غيرك يعرفها و يستطيع مساعدتنا.
- أنا يا ابنتي أعرف نصف القصة فقط لكني لا أعرف ماذا حدث فيما بعد
.لأن والدكم لم يتصل بي بعدها ابداً.
- فقالت فرح جزعة : أتقصد أنهُ قد أصابه مكروه؟
- لا أعرف صدقيني.!
- إذن أخبرنا بما تعرف.! قالتها بصوت مرتفع .
- قد تشكل الحقيقة خطراً عليكما.!
- لا يهم ، نحن عازمتان على معرفة الحكاية كلها.
ثم نهض العم ابراهيم وقال:
- انتظروني هنا لبعض الوقت سأعود قريباً.
رواية أقدار - قبل أن تُفتح الصناديق
وأصبح العم إبراهيم بسلوكهِ الغامض يُنبئ بمعرفتهِ الواسعة لكل الحكاية ،وربما مُرشداً أو مصدراً للشك . لم تستطع فرح ونرجس إلا التشكيك في نواياه والتساؤل عما إذا كان يريد مساعدتهما فعلا أو ربما يكون خصما من يدري .!
كل هذه التساؤلات دارت في ذهن فرح ونرجس بينما كانوا جميعاً في أنتظار العم إبراهيم.
وبعد دقائق معدودة عاد العم إبراهيم وبيده صندوق خشبي مزخرف بشكل جميل،
وضع الصندوق أمامه و جلس .
لبس نظارته وبدأ بالحديث وقال:
- قبل أن أقول أي كلمة ، أريد إبلاغكم عن عمق التضحية التي قدمها والدكما ووالدتكما ؛ والسبب الحقيقي الذي دفعهم للتخلي عنكم.
ثم أشار إلى الصندوق:
— هنا رسائل، صور، عقد زواج، وحتى اسمان…
اسمان اختارهما لكما والدكما قبل أن يختفي.
تقدّمت فرح خطوة:
— اختفى… أم قُتل؟
صمت إبراهيم طويلًا.
طويلاً جداً.
ثم قال:
— هذا ما لم أعرفه…
وهذا ما سنحاول اكتشافه في الأيام القادمة. استرسل بالحديث فيما أطبق الصمت على المكان وقال:
-في هذا الصندوق يوجد كل ما يخص والدكما ووالدتكما تركهُ والدكم عندي على أمل أن يرجع يوماً ما لأخذه ،لكن للأسف لم يعد وأصبح ملككما الآن ، لكن قبل أن أفتح الصندوق سأخبركم بكل ما أعرفه.
رواية أقدار - حكاية أثقل من أن تُقال
والدكما يُدعى صافي الجمَال من عائلة الجمَال أشهر العوائل بالعمل بمجال الخشب والمقاولات والحديد ، وأمكما تُدعى زينة الحاج وتعمل العائلتان في المجال نفسه وهما أغنى العوائل في بيروت.
اشتدت المنافسة بينهما في مجال العمل إلى حد كبير.
ملحم الجمَال والد صافى و زياد الحاج والد زينة كلاً منهما كان يدير شركة كبيرة ويريد أن يكبّر ثروته على حساب الآخر.
إلى أن وصل الأمر إلى المنافسة الغير مشروعة ؛من خلال زرع الجواسيس في شركات بعضهم، وبدأوا يحيكون الدسائس والمؤامرات.
في هذه الأثناء كان صافي و زينة زميلين في الجامعة الأمريكية في بيروت.
تعرفا على بعضهما في الجامعة وبما أنهما كانا يدرسان نفس الاختصاص ،أدارة الأعمال، فقد كانا يساعدان بعضهما البعض رغم علمهم بوجود مشاكل بين العائلتين.
بلغ إعجابهم ببعضهم إلى حد إخفاء وجودهما معاً في نفس القسم الدراسي عن عائلتيهما خوفاً من إجبار أهلهما لهما بتغيير جامعتهما.
قضوا مع بعض اربع سنوات دون أن يخبرا أحداً رغم أن أصدقائهما في الفصل الدراسي كانوا يعلمون بقصة حبهم التي كانت مثار أعجاب الجميع .
وأنتهت سنوات الدراسة وعاد كل منهم إلى بيته .
كيف نشأ بينهما هذا الحب الكبير رغم العداء بين العائلتين الحقيقة لا أعرف هذه التفاصيل.
وأصبح لقائهما صعبا فقد كانت للعائلتان عيون في كل مكان بحكم نفوذهم.
لم يكن أمامهما سوى هذه المكتبة ليلتقيا فيها.
![]() |
| قوة حب صافي وزينة |
طبعا كانت نرجس وفرح تستمعان بكل أنتباه إلى القصة المخفية والمجهولة بالنسبة لهما.
قالت فرح:
- أشعرُ أني أشاهد فيلم عربي قديم ! هل يمكن أن تحدث هذه القصص في هذا الزمن ؟
قالت نرجس: كنت أظن أن الفتيات أصبحن أكثر تحرراً ، لكن يبدو أن أمي كانت مسجونة داخل أفكار قديمة وبالية.
قال العم إبراهيم : لا، لم تكن العائلتان سيئتين. كل ما في الأمر أن الخلاف بينهم اشتدت ضراوة وشراسة .
فقد تم في هذه الفترة حرق جميع مخازن بيت الجمَال في حادث مفتعل على ما يبدو ،مما أدى إلى خسارة كبيرة ،و طبعا توجهت أصابع الاتهام إلى عائلة الحاج.
قالت نرجس باهتمام : وهل حقا عائلة أمي من فعل ذلك؟
قال العم إبراهيم : لست أدري! لكن الشرطة لم تقبض على أحد منهم .لأن العائلة بكاملها كانت في رحلة خارج البلاد وبشهادة الشهود.
لكن عائلة ملحم لم يصدقوا تحقيقات الشرطة فقام رفعت أبن ملحم الجمَال بمحاولة قتل زياد الحاج
من شدة غضبه على هذه الخسارة التي لحقت بهم وهو خارج من شركته ، فتم إلقاء القبض على رفعت مما زاد الأمر تعقيداً أكثر.
قالت فرح : وهل قُتل جدي ؟
- لا ، لحسن الحظ لم تكن الإصابة قاتلة كان جرحاً بسيطاً في الكتف؛ وسرعان ما تنازلت عائلة الحاج عن القضية للحد من تأجج الوضع أكثر.
لكن هذا لم يمنع الطرفين من استمرار العداوة والكراهية بينهما.
في هذه الأثناء بدأت عائلة ملحم بلملمة ما بقي من البضائع داخل مخازنهم وإعادة بناء مخازن جديدة للوقوف على أقدامهم من جديد .
ولم يكن الأمر صعباً نظراً لعلاقاتهم المتعددة والمتشعبة في كل مكان.
ساد صمت غير متوقع.
لم يكن صمت خوف، بل صمت إدراك.
رفعت نرجس عينيها ببطء، لا نحو العم إبراهيم، بل نحو فرح.
للمرة الأولى، لم تر فيها أختاً ضائعة… بل مرآة.
قالت فرح: وماذا حدث بعد ذلك يا عمي ؟
رواية أقدار - وما زال في الحكاية بقية
استرسل العم إبراهيم في الحديث وبدأ يقلب صفحات الماضي في ذاكرته قائلاَ:
- في صباح يوم هادىء كان صافي ووالده يشربان الشاي في شرفة منزلهم وقال صافي لوالده:
- أن هناك طريقة لنسيان الماضي بين العائلتين والبدء من جديد.
نظر والده مستغربا وقال : أية طريقة ؟
تلعثم صافي و حاول ان لا يثير غضب والده بكلامه.
- يعني لا أدري قد يكون شراكة مثلا.!
- ماذا؟ شراكة؟ لقد أحرقوا كل ما نملك ،وعلينا الآن البدء من الصفر، لولا العلاقات العديدة التي بنيناها طوال سنين ومجوهرات أمك كنا انتهينا .
وأنت تفكر بأدخال أعدائنا إلى داخل عملنا ألا يكفي جواسيسهم في كل مكان! هل هذا ما علمتك إياه الكتب والدراسة في أرقى الجامعات ؟ قالها صارخا في وجهه.
صافي في محاولة يائسة منه حاول ان يذيب العداء بين العائلتين قائلاً:
- أبي، من يقول انهم من حرق المخازن؟
- ومن يكون غيرهم ؟ من في مصلحته خسارتي غير زياد الحاج ؟ بدأ صوتهُ
يعلو وأحمر وجهه غضباً.
- أرجوك يا أبي أهدأ، أنا فقط أريد المساعدة في حل المشاكل.
- أذا كنت حقا تريد المساعدة عليك البدء بالعمل الجاد.
- لكن يا أبي أنا معك منذ البداية ولن أتركك أبداً!
- لا يكفي ما تقوم به. عليك أنت و أخوك بالعمل ليلاً ونهاراً لأستعادة مجدنا السابق، وعائلة الحاج سيكون حسابهم معي عسيراً.
لكني أنتظر أن تتحسن الأحوال قليلاً.
حين رأى صافي غضب والده الشديد أنسحب من مواصلة النقاش خوفا على صحة والده، على أمل أن تحين فرصة مناسبة اخرى لفتح الموضوع مجدداً.
رواية أقدار - شخصية صافي الجمال
بعد الحاح من الشقيقتين وبدافع الفضول الشديد لمعرفة المزيد عن والديهما، بدأ العم إبراهيم بوصف شخصيتي صافي وزينة من وجهة نظره وفي حدود علاقته بهما قال بهدوء :
لم يكن صافي الجمَال شاباً سيئاً بطبيعته، فتحت له الحياة أبوابها باكراً، قبل أن يتعلّم كيف يطرقها.
كبر وهو يعتقد أن الحياة تُفتح له الأبواب قبل أن يمد يده، وأن كل ما يتعثّر في طريقه سيتكفّل غيره بإزالته.
جاء إلى الحياة محاطاً بالرخاء، فكبر دون أن يتدرّب على الفقد، كان مدلّل العائلة بلا منازع؛ الابن الذي تُغفَر له النزوات، وتُفسَّر أخطاؤه على أنها مرحلة، لا مسؤولية.
تعوّد أن تُحلّ مشكلاته قبل أن يشعر بثقلها.
لم يعرف معنى الانتظار، ولا طعم الخسارة الحقيقية، ولا الإحساس بأن قراراً ما قد يترك ندبة دائمة.
حتى عناده لم يكن صلباً بقدر ما كان ردّة فعل على من يرفض له طلباً اعتاد الحصول عليه.
كان ذكياً، واسع الاطلاع، يجيد الحديث عن المشاريع والقرارات الكبيرة، لكنه ينهار أمام التفاصيل الصغيرة،
الالتزام، الصبر، وتحمل النتائج.
وحين واجه أول اختبار حقيقي في حياته، ظنّ أن الحب وحده كافٍ لتعويض ما لم يتعلمه يوماً،
كيف يكون رجلًا مسؤولًا.
لم يهرب مع زينة شجاعةً، بل هرب لأن الهروب كان الحل الوحيد الذي يعرفه.
فطوال حياته، لم يُجبر صافي على البقاء ومواجهة العاصفة،
وكانت تلك أول مرة يكتشف فيها أن بعض الأقدار لا ترحم المدللين.
![]() |
| صافي الجمال |
رواية أقدار - شخصية زينة الحاج
وحين وصل الحديث عن زينة بدأت علامات الحزن والاسى بادية على وجه العم إبراهيم وتابع حديثه قائلاً:
كانت زينة الحاج ابنة حياةٍ لم تُجبرها يوماً على القتال من أجل قضية ما.
نشأت في بيتٍ يعرف النظام أكثر مما يعرف القسوة، حيث تُحلّ الخلافات بهدوء، وتُخفَّف الصدمات قبل أن تصل إلى القلب.
لذلك كبرت وهي تؤمن أن العالم، مهما قسا، لا بد أن ينحني أمام الصدق.
كانت هادئة الطبع، رقيقة في مشاعرها، لا ترفع صوتها إلا دفاعاً عن فكرة تؤمن بها.
تؤمن بالحب لا بوصفه مغامرة، بل وعداً طويل الأمد، شيئاً يُبنى بالصبر ويُحاط بالأمان.
ولأنها لم تواجه في حياتها أزمة حقيقية، ظنّت أن الإيمان وحده يكفي لعبور أي امتحان.
لم تُجابه الخذلان من قبل، ولم تُضطر إلى اتخاذ قرارات حاسمة تحت الضغط.
كانت تحب بعفوية من لم يتعلّم بعد كيف يتحمّل تبعات الحب.
وحين اختارت صافي، اختارته كما تختار فتاةٌ لم تُكسر بعد، بقلبٍ كامل، دون احتياطات.
لم تكن ضعيفة، لكنها لم تُدرّب نفسها على الصلابة.
وحين واجهتها الحياة بوجهها الحقيقي، لم تسقط فوراً، بل وقفت مذهولة، كأنها تُطالَب بدفع ثمنٍ لم تتعلّم كيف تجمعه.
زينة لم تخطئ لأنها أحبّت،
بل لأنها ظنّت أن الحب سيحميها من عالمٍ لم يُنذرها يوماً بأنه قد يكون قاسياً إلى هذا الحد.
يتبع….





