رواية أقدار - الصدفة المستحيلة
وقف أشرف عند طرف القاعة، لا ينظر إلى اللوحات ولا إلى الحاضرين، بل إلى تلك المسافة القصيرة التي تفصل بين فرح ونرجس.
مسافة لا تتجاوز خطوات، لكنها بدت له أوسع من سنوات عمره كلها.
كان يشعر أن الهواء صار أثقل، وأن الجدران تضيق شيئاً فشيئاً، كأن المعرض لم يُبنَ لعرض الفن، بل ليكون مسرحاً للحظة انكشاف طال تأجيلها.
أما جمانة، فكانت تقبض على حقيبتها بقوة، كأنها تمسك بسرّ حيّ يحاول الإفلات.
لم تستطع أن ترفع عينيها نحو ابنتها. كانت تخشى تلك النظرة، تخشى أن ترى في عيني فرح سؤالاً لم تُحضّر له جواباً منذ اثنين وعشرين عاماً.
قالت بصوت خافت، بالكاد يُسمع وسط ضجيج القاعة:
— أشرف… يجب أن نغادر الآن.
لم يجبها فوراً. كان ما يزال واقفاً، مشدوداً إلى المشهد، كأن قدميه خانتاه.
رأى الشبه، ذلك الشبه الذي كان يعرف أنه سيظهر يوماً، لكنه أقنع نفسه طويلًا أن الأيام قادرة على طمس الملامح كما تطمس الذكريات.
تمتم أخيراً:
— كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي… لكني لم أظنه سيكون بهذه القسوة.
تحركت جمانة خطوة إلى الخلف، وكأنها تتهيأ للانسحاب من حياة كاملة، لا من معرض فني. نظرت حولها بقلق، تخشى الهمسات، تخشى العيون الفضولية، تخشى أن يربط أحدهم الخيوط قبل أن تكون مستعدة للاعتراف.
— انظر إليهما… قالت بصوت مرتجف، كأن القدر يتعمد السخرية منا.
تنهد أشرف بعمق، ثم التفت إليها أخيراً. في عينيه كان ثقل اعتراف مؤجل، وخوف رجل عاش عمره وهو يوازن بين الصمت والحقيقة.
— لا يمكننا الهروب إلى الأبد يا جمانة.
— ليس الآن… أرجوك ليس الآن.
ردّت بسرعة، فرح لا تحتمل صدمة كهذه أمام الناس.
ألقى نظرة أخيرة على فرح، التي كانت تبتسم لنرجس بارتباك جميل، غير مدركة أن تلك الابتسامة نفسها تشق قلب أمها نصفين.
مدّ أشرف يده بهدوء، وأمسك بذراع جمانة.
— لنغادر بهدوء… لكن اعلمي، السرّ الذي عاش صامتاً اثنين وعشرين عاماً، بدأ اليوم يطالب بصوته.
تحركا نحو الباب، بخطوات بطيئة، وكأنهما يخرجان من زمنهما، لا من قاعة.
وخلفهما، ظلّ القدر واقفاً في منتصف المعرض، يبتسم بثقة المنتصر.
رواية أقدار - الوقوف على حافة الحقيقة
بعد انفضاض اللحظة المشحونة، وانشغال الحضور باللوحات مجدداً، وقف وسام إلى جانب نرجس، لكنه لم يكن حاضراً تماماً.
كان ينظر إليها من زاوية مختلفة، كأنها ليست ابنة عمه التي يعرفها منذ سنوات، بل وجهاً جديداً يحمل سؤالًا لم يتشكّل بعد.
قال أخيراً، بنبرة حاول أن يجعلها عابرة:
— نرجس… هل شعرتِ بشيء غريب حين رأيتها؟
رفعت نرجس عينيها ببطء، وكأن السؤال أيقظ ما كانت تحاول دفنه.
— لم يكن شعوراً، يا وسام… كان يقيناً مربكاً.
ثم أضافت، بعد تردد قصير:
— كأنني أنظر إلى نفسي، لكن من حياة أخرى.
سكت وسام لحظة. لم يكن رجلاً يؤمن بالأشياء الغامضة، لكنه يعرف نرجس جيداً، ويعرف أنها لا تُطلق الكلمات جزافاً.
— أتذكرين، قال بهدوء:
— كم مرة حدثتِني عن حلمك؟ عن تلك التي تشبهك، وتبتعد كلما اقتربتِ منها؟
ارتعشت يد نرجس دون أن تشعر.
— نعم… واليوم، للمرة الأولى، لم تهرب.
![]() |
| لحظة الحقيقة |
في الجهة الأخرى من القاعة، كان طارق يقف قرب فرح، يراقبها وهي تحاول أن تبدو طبيعية. لكنه لاحظ الشرود نفسه، الشرخ الخفي الذي عاد ليظهر في عينيها.
— فرح، قال بنبرة منخفضة، أنتِ شاردة منذ دخلوا.
تنهدت، ثم قالت بصراحة أرهقها كتمانها طويلاً:
— أتذكر حين قلتُ لك إني أشعر أنني نصف شخص؟
ابتسم طارق ابتسامة متعبة.
— وكيف أنسى؟ ظننتها حينها مبالغة شاعرية.
هزّت رأسها نفياً، ونظرت إلى نرجس من بعيد.
— لم تكن مبالغة. هناك شيء كان ناقصاً في داخلي ، واليوم، حين رأيتها، شعرت أن هذا النقص له وجه.
تبع طارق نظرتها، ثم قال بعد صمت:
— الغريب أنكما تتحدثان اللغة نفسها… دون أن تتعارفا.
في تلك اللحظة، التقت نظرات وسام وطارق من طرفي القاعة، نظرة قصيرة لكنها محمّلة بالدهشة نفسها.
كلاهما أدرك، دون اتفاق أو كلام، أن ما يحدث يتجاوز الصدفة.
قال وسام، وهو يقترب خطوة:
— ربما لا يكون الإنسان كاملاً وحده.
وردّت فرح، وكأنها تكمّل جملة بدأت منذ سنوات:
— وربما نبحث عن بعضنا… قبل أن نعرف من نكون.
سادت لحظة صمت.
لم يكن فيها إعلان، ولا كشف، ولا حقيقة مكتملة.
لكن شيئاً ما، في أعماق الأربعة، كان قد تغيّر إلى الأبد.
رواية أقدار - حين يتكلم الصمت بين رجلين
وقف وسام قرب الشرفة الزجاجية المطلة على الشارع، بينما كان طارق يشعل سيجارة على استحياء، كأنه يبحث عن ذريعة ليؤخر الكلام.
قال طارق، وهو ينفث دخاناً خفيفاً:
— لم أرَ في حياتي شيئاً كهذا… التشابه بينهما ليس عادياً.
أومأ وسام ببطء.
— ولا الشعور الذي رافق اللحظة.
التفت طارق إليه باستغراب:
— شعور؟ أنت أيضاً؟
ابتسم وسام ابتسامة صغيرة، أقرب إلى الاعتراف منها إلى السخرية.
— نرجس ليست ممن يندهشون بسهولة. رأيتها اليوم كما لم أرها من قبل… كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
سكت طارق قليلًا، ثم قال بنبرة أكثر جدية:
— فرح قالت لي مرة إنها تشعر أنها "نصف إنسان".
ضحك ضحكة قصيرة، بلا مرح. ظننتها شاعرية زائدة… لكن اليوم؟
رفع وسام نظره إليه مباشرة:
— نرجس قالت لي الشيء ذاته، لكن بصيغة أخرى. قالت إن في داخلها فراغاً لا اسم له، وإنها تحلم بوجه يشبهها ويهرب منها.
تجمد طارق في مكانه.
— هذا ليس طبيعياً.
— ولا صدفة، ردّ وسام بهدوء ثقيل.
— أنا ابن مزرعة، أؤمن بالأرض أكثر مما أؤمن بالغيب… لكن ما رأيته اليوم لا تفسّره الأرض وحدها.
أطفأ طارق سيجارته بسرعة، كأنه ضاق حتى من النار الصغيرة بين أصابعه.
— هل تعتقد…؟
توقف، ثم هز رأسه نافياً.
— لا، هذا جنون.
اقترب وسام خطوة، وخفض صوته:
— الجنون أن نتجاهل ما يحدث. رأيتَ عيون الناس؟ الأسئلة كانت تسبق الكلمات.
تنهد طارق بعمق.
— أنا خائف، وسام. ليس من الحقيقة… بل مما ستفعله الحقيقة بفرح. هذا إذا كان هناك سر مخفي في كل ما يحدث!
سكت وسام لحظة، ثم قال بصوت أكثر ليناً:
— وأنا خائف على نرجس. هناك أسرار، حين تطول، لا تنفجر… بل تنكسر ببطء.
نظر إليه طارق نظرة طويلة، ثم قال:
— إن كان بينهما رابط حقيقي، فالهروب لن يقطعه.
أدار وسام وجهه نحو الداخل، حيث كانت نرجس تقف مع فرح قرب إحدى اللوحات وقال:
— ولا الصمت.
ساد صمت قصير بينهما، صمت رجلين أدركا أن حياتيهما دخلتا منعطفاً لا عودة منه.
قال طارق أخيراً:
— يبدو أن هذا المعرض لم يكن عن الفن فقط.
أجاب وسام:
— بل عن أقدارٍ قررت أن تُعرض للنور.
![]() |
| الصدفة المستحيلة |
رواية أقدار - الخوف من الحقيقة
لم يبلغا الباب بعد.
كان أشرف قد مدّ يده ليدفعه، حين جاء الصوت من خلفهما، صوت عابر في ظاهره، لكنه سقط في قلبه كحجر في ماء راكد.
— عفواً…
تجمّد جسداهما معاً.
استدار أشرف ببطء، بينما شعرت جمانة بأن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة.
كان المتحدث رجلًا في منتصف العمر، أحد روّاد المعرض، يحمل كتيّب الأعمال بيده، ونظرات فضول بريئة لا تعرف أنها تلامس جرحاً مفتوحاً.
— المعذرة، قال الرجل بابتسامة ودودة،
— هل الفتاتان… قريبتان لكم؟
لم يجب أحد.
في تلك الثواني القليلة، مرّ على أشرف شريط طويل من السنوات، الطفلة التي حملها بين يديه أول مرة، الليالي التي أقسم فيها أن يحمي السرّ مهما كان الثمن، الوعد الصامت الذي قطعه لجمانة وللقدر معاً.
فتح فمه ليجيب، لكن الكلمات خانته.
أما جمانة، فكانت عيناها تبحثان عن مخرج آخر، عن معجزة صغيرة تُنقذ اللحظة.
شعرت بأن الجدران تقترب أكثر، وبأن همسات القاعة بدأت تتجه نحوهم، كأن السؤال أيقظ فضولًا نائماً في الجميع.
— الشبه بينهما… لافت، أضاف الرجل ببراءة،
— ظننتُ أنهما توأمان.
كلمة واحدة.
لكنها وقعت كالسهم.
شدّت جمانة حقيبتها إلى صدرها، وكأنها تحتمي بها من الحقيقة. همست، بصوت لا يكاد يُسمع:
— أشرف… قل شيئاً.
وفي تلك اللحظة، التفتت فرح نحوهما.
لم يكن في نظرتها سؤال واضح، بل دهشة فقط، لكنها كانت كافية لتُسقط ما تبقى من توازن جمانة. شعرت بأن ابنتها تنظر إليها للمرة الأولى دون أن تعرفها تماماً.
قال أشرف أخيراً، بصوت منخفض، متماسك بالكاد:
— نعم… الشبه واضح فعلًا.
توقّف الرجل لحظة، وكأنه ينتظر تتمة الجملة.
لكن التتمة لم تأتِ.
مرّت ثوانٍ ثقيلة، ثم ابتسم الرجل ابتسامة خجولة، وقال:
— على كل حال… الفن يجمع الوجوه كما يجمع الأرواح.
وانسحب بهدوء، تاركاً وراءه سؤالًا لم يُطرح كاملًا… لكنه لم يعد قابلًا للنسيان.
أمسك أشرف بذراع جمانة بقوة هذه المرة، وقال بصوت حاسم:
— الآن.
خرجا من القاعة، بينما بقي السؤال معلقاً في الهواء، لا يحتاج إلى صوت كي يُسمَع.
وفي الداخل، كانت الحقيقة قد بدأت، للمرة الأولى، تتنفس.
رواية أقدار - صدمة حدس تحقق
جلب القدر الشقيقتين إلى المعرض ذاته، وجهاً لوجه، للمرة الأولى في حياتهما، وكأن السنوات التي فرقتهما انكمشت فجأة إلى لحظة واحدة.
لم تكن مصادفة عابرة، بل اصطدام روحين تعرف كل منهما الأخرى دون معرفة الاسم أو القصة.
انهمرت المشاعر دفعة واحدة؛ ذهول، خوف، انجذاب غامض، وإحساس عميق بأن ما يحدث يتجاوز المنطق والزمن والانفصال الذي امتد لأكثر من اثنين وعشرين عاماً.
وحين أُغلقت أبواب المعرض، وعاد كلٌّ إلى بيته، لم تعد الأسئلة قابلة للتأجيل. لم يكن ما جرى صدفة عابرة يمكن تجاوزها بالنسيان.
رواية أقدار - صدمة ما بعد الحقيقة
لم تكن الحقيقة صاخبة كما توقّعتاها.
لم تأتِ على شكل صراخ أو انهيار فوري، بل جاءت هادئة… ثقيلة… كحجر وُضع فجأة في منتصف الروح.
عادت فرح إلى غرفتها تلك الليلة، وأغلقت الباب بهدوء غير معتاد. لم تبكِ. جلست على طرف السرير، تحدّق في الجدار المقابل، كأنها تنتظر أن يظهر عليه وجهٌ ما، أو تفسيرٌ ما.
مرّ شريط حياتها أمامها:
طفولتها، لوحاتها، ضحكاتها، صوت جمانة وهي تناديها، يد أشرف التي كانت تمسك يدها في أول يوم مدرسة.
كل شيء كان حقيقياً… ومع ذلك، لم يعد مكتملاً.
تمتمت بصوت بالكاد سمعته:
— إذاً… أنا لست وحدي.
لكن هذه الجملة، بدل أن تطمئنها، زلزلتها.
شعرت وكأن هويتها انقسمت نصفين:
نصف عاش، أحبّ، ونما.
ونصف آخر… عاش في مكانٍ آخر، يتنفس هواءً آخر، ويحمل الاسم ذاته للحنين.
نهضت، ووقفت أمام المرآة. تأملت ملامحها طويلاً.
— من أكون الآن؟
— ابنة من؟
— وأيّ حياة هذه التي عشتها… إن كان لها ظلٌّ آخر؟
![]() |
| صدمة ما بعد الحقيقة |
في الجانب الآخر، دخلت نرجس الى البيت واتجهت مباشرة نحو غرفتها.
كان جسدها متعباً، لكن عقلها يقظ، عنيد، يرفض الصمت.
جلست قرب النافذة، تحدّق في المزرعة التي أحبتها دوماً. الأرض التي شعرت معها بالأمان، لم تعد كافية لتهدئتها.
قالت في سرّها:
— إذاً… لم أكن أتوهّم.
تذكّرت أحلامها المتكررة. الوجه الذي كان يقترب ثم يبتعد. الشعور الدائم بأنها ناقصة، رغم الحب الذي غمرها.
وضعت يدها على صدرها، حيث شعرت بنبض غريب.
— كنتِ هناك… طوال الوقت.
غضبها لم يكن موجّهاً لنبيل أو بثينة.
كان غضبها أعمق… موجّهاً لفراغٍ عاش داخلها دون اسم.
— لماذا الآن؟
— لماذا بعد كل هذه السنين؟
— ولماذا أشعر أن قلبي يعرفها أكثر مما يعرفني؟
لأول مرة، شعرت أن الأرض التي أحبتها لا تُمسكها جيداً.
بدأت الشقيقتين بسؤال أهاليهم عما حصل وأن الأمر لا يمكن أن يكون صدفة.
جلست نرجس أمام نبيل وبثينة، وعيناها تبحثان عن إجابة لا تريد سماعها.
قالت بصوت مرتجف:
— أبي… ما الذي يحدث؟ ما الذي لم تخبروني به؟
تنهد نبيل طويلاً، كأنه يسحب أنفاسه من زمن بعيد، ثم قال:
— كنت أريد أن أخبرك منذ سنوات، يا ابنتي… فمن حقك شرعاً وقانوناً أن تعرفي الحقيقة.
صرخت بثينة فجأة، بصوت مختنق:
— أنتِ ابنتنا! لا تشكّي في ذلك لحظة!
وأضاف نبيل وهو يغالب دموعه:
— نعم، ابنتنا… وربّيناكِ بقلوبنا قبل أيدينا.
تقدّم وسام مذهولًا:
— أرجوكم… هل يمكن لأحدكم أن يشرح لي ما الذي يجري؟
نظر نبيل إلى نرجس وقال بهدوء موجع:
— أنتِ ابنتنا بالتبنّي. كل ما أعرفه أن والدكِ الحقيقي كان في خطر كبير. وُلدتِ أنتِ وأختكِ توأماً في يوم واحد، وطلب منّا رجلٌ مكسور أن نأخذكِ… وأن تأخذ عائلة أخرى أختكِ.
شهقت نرجس:
— ماذا يعني هذا؟!
— هل… هل نحن بنات حرام؟
صرخت بثينة بانهيار:
— لا! أقسم بالله لا! لا تقولي هذا!
— إذًا لماذا؟ لماذا تركونا؟ لماذا تخلّوا عنا؟
قال نبيل بصوت ثقيل:
— كبير العائلة هدّد بقتل الجنين في بطن أمكِ. والدكِ لم يكن أمامه خيار. طلب منّا حمايتكِ… وقال إن غيابه يعني أنه أُصيب بأذى.
سقطت الكلمات على نرجس كسكاكين.
— كيف استطاع أن يفعل ذلك؟
— لم يكن قراراً سهلًا، صدقيني. كانا في حالة انهيار تام.
نظرت إلى وسام:
— هل كنتَ تعلم؟
— لا… والله لا. أنا مصدوم مثلكِ تماماً.
قال نبيل : كان أخي وعائلتهُ يعيشون في المدينة وكانوا يأتون لزيارتنا مرة في السنة ؛ فأخبرتهم أنك ابنتنا وهما لم يشكا بشيء.
- وكيف أستطيع التحري عن أهلي ؟ أنت يا أبي هل كنت تعرف عائلتي ؟
- لا ، أنا لا أعرفهم لكن إبراهيم يعرفهم .هو يملك مكتبة في المدينة ،أنه رجل صالح بإمكاننا أن نسأله عنهم ؛ لكني لم أره منذ فترة طويلة جدا.
نهضت نرجس بسرعه وقالت:
- سأسأل أختي فرح اولا.
![]() |
| نصف الحقيقة |
في المنزل الآخر، جلست فرح أمام أشرف وجمانة، وكانت دموعها أكثر هدوءاً… لكنها أعمق.
قال أشرف القصة ذاتها لفرح وأضاف بقلق:
— يا فرح. والدكِ الحقيقي كان مضطراً… وأنا لا أعرف كل التفاصيل.
— لكنك كنتَ تعرف شخصاً واحداً يعرف الحقيقة كاملة… لماذا لم تسأله؟
— لأنني كنت أنتظر أن يسأل عنكِ أهلكِ الحقيقيون… ولم يحدث.
— من هو؟
— إبراهيم… صاحب المكتبة القريبة من المطبعة.
قالت بحزم:
— علينا الذهاب إليه. لا يمكننا العيش بنصف حقيقة.
ثم التقطت هاتفها:
— سأتصل بنرجس… لا بد أنها تعرف الآن.
كان القلق باديا على أشرف و جمانة وكانا يتحدثان إلى فرح والدموع تملأ أعينهم فيما بدا طارق و كأنه شخص تائه مستغرباً و صامتاً طوال الوقت.
عندما تعمقت الأخوات بتاريخهم المشترك بدأوا بالاتصال ببعضهم البعض كل
يوم وكانتا جادتين للوصول للحقيقة الكاملة وراء ما حدث.
قاقرأ ايضا قصة حين يزهر الصمت قصص قصيرة
رواية أقدار - نصف الحقيقة ونصف الخوف
رنّ الهاتف في يد فرح.
ظلت تحدّق في الاسم المضيء على الشاشة، كأنها تخشى أن يختفي إن لم تُجب.
ضغطت زرّ الرد.
لم يقل أيٌّ منهما شيئاً.
ثم جاء صوت نرجس، متردداً، كأنه يخطو في أرض مجهولة:
— فرح… هل تسمعينني؟
— أسمعك.
صمت.
وفي الصمت، كانت أسئلة كاملة تتصارع دون أن تخرج.
قالت نرجس أخيراً:
— هل فكرتِ…
توقفت، كأنها تخشى أن تُخون أحداً بسؤالها.
— هل فكرتِ بمن نحن… قبل أن نصبح ما نحن عليه الآن؟
أغمضت فرح عينيها.
— نعم.
منذ خرجتُ من المعرض وأنا أشعر أن حياتي بدأت من منتصفها، لا من بدايتها.
تنفست نرجس بعمق:
— أنا خائفة من سؤال واحد…
صوتها انخفض.
— خائفة أن أعرف من أنجبنا.
ارتعشت فرح.
— وأنا خائفة…
— أن أكتشف أن المرأة التي ناديتها " أمّي" طوال عمري ليست البداية الحقيقية.
صمت طويل.
كأن كلتيهما تشعر بالذنب لمجرد التفكير.
قالت نرجس:
— أشعر وكأن الفضول خيانة…
لكن كيف لا نسأل، ونحن نصفان تائهتان؟
مسحت فرح دمعة سقطت دون استئذان:
— هل كان لنا أب واحد؟
قالتها كمن يلقي حجراً في ماء عميق.
— أم أن كل شيء في حياتنا قُسّم… حتى الحقيقة؟
شهقت نرجس:
— أتساءل إن كانا يعرفان…
إن كانا يعيشان الآن وهما يعلمان أن جزءاً منهما مفقود.
ردّت فرح بصوت مبحوح:
— أو ربما اختارا أن نُفقد…
ثم سكتت، كأنها ندمت على الجملة.
قالت نرجس بسرعة:
— لا أريد أن أكره أحداً… لكنني أريد أن أفهم.
أريد أن أعرف لماذا كبرنا منفصلتين، ونحن نحمل الوجع نفسه.
تنهدت فرح:
— أخاف إن عرفنا الحقيقة أن يتغيّر كل شيء.
— وأخاف أكثر إن لم نعرف… أن نظل ناقصتين إلى الأبد.
سألت نرجس بصوت خافت:
— إن كان لنا أمّ واحدة…
هل تظنين أنها كانت تبكي علينا معاً، أم على واحدة فقط؟
![]() |
| المكالمة الاولى بين الاختين |
أغلقت فرح عينيها بقوة:
— هذا السؤال يؤلمني أكثر من فكرة الفقد نفسها.
ساد صمت ثقيل، لكنه كان صمت اعتراف.
قالت نرجس:
— لا أريد إجابات الآن، فقط… أريد أن نعد بعضنا أننا لن نهرب من الحقيقة، مهما كانت.
أجابت فرح بعد تردد:
— نعد…
لكن ببطء.
كمن يقترب من جرح قديم، لا يريد أن ينزف مرة واحدة.
ابتسمت نرجس وسط دموعها:
— شكراً لأنك لا تجعلينني وحدي في هذا الخوف.
ردّت فرح:
— لم أعد وحدي أصلًا. كأن اسمي لم يعد يخصني.
كأنني عشت حياة ليست لي وحدي.
ثم تنفست فرح بعمق:
— هل تشعرين…
ترددت.
— هل تشعرين أن بيننا شيئاً أقدم من الكلام؟
أجهشت نرجس بالبكاء. لم يكن بكاءً عالياً، بل بكاءً يخرج بلا إذن.
— نعم…
كنت أراكِ في أحلامي، فرح. لا أعرف وجهك، لكنني كنت أشعر بك.
كنت أستيقظ وأنا متعبة، كأنني فقدت أحداً… دون أن أعرف من.
سالت دمعة على خد فرح.
— وأنا… كنت خائفة بلا سبب، والآن فهمت.
بقين على الخط طويلًا.
لم يتكلمن. لكن السؤال كان حاضراً بينهما:
من نحن… وأين أمنا وأبونا.. هل يفتقداننا.. أم انهما يواصلان حياتهما ويعيشان حياة طبيعية؟
لم تقل أيٌّ منهما كلمة أختي.
الكلمة كانت كبيرة، أثقل من أن تُنطق بسرعة.
أغلقتا الهاتف، وكل واحدة منهما تعلم أن حياتها انقسمت إلى، ما قبل المعرفة … وما بعدها.
وأن الطريق القادم لن يكون بحثاً عن الحقيقة فقط، بل عن الذات.
رواية أقدار - ما بعد الصدمة
أصبحت فرح ونرجس تتحدثان يومياً، وكأن السنوات تحاول تعويض ما سُرق منهما.
تشابهت الأسئلة، المخاوف، وحتى الصمت بين الجمل.
هل قُتل والدهما؟
هل ما زالت العائلة موجودة؟
هل سيقبلون بهما إن ظهرت الحقيقة؟
أم أن المصير المجهول سيطالهن كما طال والديهما؟
لكن وسط هذا الاضطراب، كانت الرابطة بينهما تزداد قوة. إحساسٌ قديم وجد اسمه أخيراً.
صممت الشقيقتين بالذهاب لرؤية العم إبراهيم الذي كانت تربطه علاقة مع كلتا العائلتين وأنه الوحيد القادر الآن على الأجابة على جميع الأسئلة التي كانت تدور في ذهنهم ، وبأن هناك سراً مخفيا وراء ما حدث لهما وان والدهم ووالدتهم قد يكونا أحياء بما أن أحد لم يسمع عنهما شيئاً منذ ذلك الوقت إلى هذه اللحظة.
لكن العم إبراهيم كان مسافراً لعدة أيام وكان على الجميع الانتظار حتى يعود.
في أثناء ذلك أصبحت الرابطة بين نرجس وفرح قوة غير قابلة للكسر وجمعتهما من خلال الأحاديث الصادقة.
أن حبهم وعاطفتهم لبعض كان موجوداً حتى قبل أن يعرفوا بوجود إحداهما الأخرى والآن هما مصممتان على إيجاد سر عائلتهم المدفون.
في تلك الأيام، لم تعد نرجس وفرح تتحدثان كأختين اكتشفتا بعضهما صدفة، بل كروحٍ استعاد نصفه الغائب.
كانت مكالماتهما الطويلة تمتد حتى ساعات الفجر، لا تملّان من الحديث، ولا تخشيان الصمت حين يعجز الكلام عن حمل ما تشعران به.
كانت كل واحدة منهما ترى في الأخرى مرآة غير مألوفة، تشبهها حدّ الوجع، وتختلف عنها حدّ الدهشة.
وكأن حبّاً قديماً، مؤجَّلاً منذ الولادة، كان ينتظر لحظة الاعتراف فقط ليظهر.
لم يكن تعلّقهما وليد المعرفة، بل نتيجة شعور خفيّ عاش معهما سنوات طويلة دون تفسير؛ ذلك الفراغ الصامت في القلب، الإحساس الدائم بأن هناك شيئاً ناقصاً مهما اكتملت الحياة، و الآن فقط أدركتا أن ذلك النقص كان اسماً ووجهاً وصوتاً.
ورغم ثقل الحقيقة، كان حظهما رحيماً.
نشأتا في بيوتٍ لم تبخل عليهما بالحب، بيوتٍ ارتبكت أمام الصدمة لكنها لم تتراجع.
كان الخوف يسكن عيون الآباء والأمهات أكثر مما يسكن عيون الفتاتين؛ خوفٌ من أن يخسروهما نفسياً، من أن يشعرن يوماً بأن هذا الحب كان بديلًا لا أصلاً.
لكن نرجس وفرح كانتا قد كبرتا بما يكفي لتفهما أن القلب قادر على الاتساع… لا الاستبدال.
اقتربت العائلتان بسرعة غير متوقعة، كأن القدر، بعد تأخره الطويل، قرر أن يعوّض دفعة واحدة.
جلسات مشتركة، نظرات مترددة، وأسئلة تُحبس في الحناجر احتراماً لهشاشة اللحظة.
كان الجميع يحاول أن يكون حذراً، ألّا يقول كلمة في غير موضعها، وألّا يهزّ هذا التوازن الجديد الذي ما زال هشّاً كزجاج رقيق.
وسط كل ذلك، ظل اسم العم إبراهيم حاضراً كظلٍ ثقيل.
هو الرابط الوحيد بين الماضي والحاضر، بين ما قيل وما أُخفي.
الأغرب أنه لم يُقرّب العائلتين من بعضهما يوماً، رغم معرفته الكاملة بالقصة، وكأن مهمته لم تكن الجمع… بل الانتظار.
انتظار اللحظة التي تفرض فيها الحقيقة نفسها دون تدخّل، أو ربما انتظار شجاعة لم يكن متأكداً من امتلاكها.
ومع كل يوم يمر، كانت عزيمة نرجس وفرح تزداد صلابة، لم تعودا تبحثان بدافع الفضول فقط، بل بدافع حقٍ مؤجَّل.
كانتا تشعران أن وراء هذا الصمت الطويل سرّاً أكبر من الخوف، سرّاً دُفن بحسن نيّة ربما، لكنّه لم يمت.
يتبع..





