رواية أقدار رواية درامية نفسية اجتماعية واقعية جزء ١١ - أنامل عربية


رواية أقدار فرح ونرجس
فرح ونرجس 


رواية أقدار الهدوء بعد العاصفة

خرجت الشقيقتان من المستشفى، وما تزالان تحملان في صدريهما ذلك الشعور الغريب الذي خلفه اللقاء الأول بعائلة أمهما.

كان كل شيء قد جرى بسهولة لم تتوقعاها.

لم يصرخ أحد في وجهيهما، ولم يطردهما أحد، ولم يبدُ أفراد العائلة كما رسمته لهما الحكايات القديمة. بل استقبلوهما بقدر من اللطف والاحترام، حتى إن ليلى الحاج سمحت لهما بالدخول إلى غرفة زوجها دون تردد بعد أن اطمأنت إلى سبب الزيارة.

قالت فرح وهي تسير ببطء: أتعلمين يا نرجس.. كنت أظن أننا سنرى وحوشاً، لكنني لم أر إلا عائلة قلقة على مريضها.

تنهدت نرجس وقالت: وأنا أيضاً. كلما اقتربنا من الحقيقة، ازدادت حيرتي. إذا كانوا بهذا الهدوء.. فلماذا انتهت حياة أمي وأبي إلى كل ذلك الخراب؟

ساد بينهما صمت قصير، ثم قالت نرجس وهي تشير إلى الشارع الممتد أمامهما:

- ما رأيك أن نتمشى قليلًا؟ منذ تخرجت لم أعد أزور المدينة إلا نادراً. أشعر أنني نسيت كيف أعيش خارج المزرعة.

ابتسمت فرح لأول مرة منذ خروجهما.

- وأنا أيضاً أحتاج إلى أن أتنفس.

رواية أقدار - بين ضجيج المدينة وحديث القلب

اتجهتا إلى شارع آراكس التجاري، حيث ازدحمت الأرصفة بالمارة، وتعالت أصوات الباعة، وتلألأت واجهات المحال بألوانها الزاهية.

لأول مرة منذ اكتشاف الحقيقة، لم يكن حديثهما عن الماضي.

جربتا بعض الأوشحة، وضحكتا وهما تختلفان على اختيار الألوان، واشترتا بعض الإكسسوارات البسيطة، ثم استمرتا في التجول ساعات طويلة حتى شعرتا بالإرهاق.

قالت فرح وهي تمسك معدتها ضاحكة:

- إن لم نجد مطعماً الآن فسوف أسقط من الجوع.

ضحكت نرجس وقالت:

- هيا أعرف مطعماً شعبياً قريباً، زرتهُ مع صديقاتي في الجامعة، وستدعين لي بعد أن تتذوقي طعامه.

جلستا في مطعم شعبي قديم، وامتلأت المائدة بالفلافل والفول والكفتة والمقبلات.

تبادلتا النظر ثم انفجرتا ضاحكتين.

قالت نرجس:

- يبدو أننا طلبنا طعاماً يكفي أربعة أشخاص!

قالت فرح وهي تضحك:

- واضح أن الصدمة تفتح الشهية.

وبعد دقائق من الصمت المريح، قالت نرجس:

- في المرة القادمة سأدعوك إلى مطعم فاخر.

ابتسمت فرح.

- ومن أين لك كل هذه الثقة؟

- المزرعة بخير، والحمد لله. الموسم الأخير كان ممتازاً، والأسمدة التي طورناها أعطت نتائج رائعة.

- إذن أنت أوفر حظاً مني.

- ومعارضك الفنية؟

تنهدت فرح.

- المعرض لا يُقام كل شهر، واسمي ما زال في بدايته. الفن يحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن يصبح مصدر رزق حقيقي.

- وطارق؟

- لا يعتمد على الرسم وحده. يعمل مع والده، ولهذا يبدو أكثر اطمئناناً مني.

ابتسمت نرجس وقالت بحنان:

- إذا احتجتِ إلى شيء يوماً فلا تترددي في إخباري.

ابتسمت فرح شاكرة، لكنها سرعان ما شردت.

لاحظت نرجس تغير ملامحها.

- ماذا هناك؟

رفعت فرح رأسها ببطء.

- هل لاحظتِ حياة جدي وجدتي؟

- نعم.

- شعرت أننا ننتمي إلى عالمين مختلفين.

اقرأ ايضا: قصة حين يزهر الصمت قصص قصيرة/ أنامل عربية.


رواية أقدار - هل يغير المال الإنسان

سادت لحظة صمت.

ثم قالت فرح:

- أخبريني بصراحة لو أنك نشأتِ منذ طفولتك في ذلك القصر، هل كنت ستقعين في حب وسام؟

ابتسمت نرجس.

- سؤال صعب.

ثم فكرت قليلًا قبل أن تجيب:

- ربما كنت سألتقيه بطريقة مختلفة لكنني متأكدة من شيء واحد؛ كنت سأحب أخلاقه قبل أي شيء آخر.

- حتى لو كان من طبقة اجتماعية أقل؟

- الإنسان لا يختار قلبه بناءً على كشف الحساب البنكي.

ثم أضافت مبتسمة:

- وسام متعلم، مجتهد، يحترم المرأة، ويؤمن بالعمل. هذه الصفات لا تُشترى بالمال.

هزت فرح رأسها.

- أنت مختلفة عني.

ابتسمت نرجس.

- وأنت؟ هل كنت ستتخلين عن طارق لو أصبحتِ فجأة ابنة إحدى أغنى العائلات؟

سكتت فرح طويلًا.

ثم قالت: لا..

وتابعت بصوت أكثر هدوءاً:

- لكنني سأكذب إن قلت إن المال لا يغيّر حياة الإنسان.

نظرت عبر نافذة المطعم إلى السيارات الفاخرة المارة في الخارج.

- رأينا جدي لدقائق فقط، ومع ذلك أدركت حجم الفارق بين حياتنا وحياتهم. أحياناً أفكر لماذا حُرمنا من كل هذا؟

أمسكت نرجس بيد أختها.

- لأن الله عوضنا بأناس أحبونا بصدق.

ابتسمت فرح، لكن عينيها ظلتا معلقتين في البعيد.

رواية أقدار التوأم
فرح تشارك اسرارها مع نرجس

رواية أقدار - الحق لا الطمع

قالت فرح بعد لحظة:

- إذا اعترفوا بنا يوماً فلن أنكر أن لي حقاً عندهم.

قالت نرجس بهدوء: وأنا لا أريد منهم إلا الحقيقة.

- وإن منحونا نصيبنا؟

ابتسمت فرح.

- سأفتح أنا وطارق معرضاً عالمياً، ونسافر بأعمالنا إلى كل مكان.

ثم سألتها: وأنت؟

قالت نرجس:

- لدي ما يكفيني. ربما أخصص معظم المال لمشروعات زراعية خيرية، أو لمساعدة المرضى والمحتاجين.

ابتسمت فرح بإعجاب.

- لهذا أحبك.

فضحكت نرجس.

- وأنت أيضاً، رغم أنك أكثر طمعاً مني بقليل.

ضحكت فرح حتى دمعت عيناها.

- ليس طمعاً ربما أحاول فقط أن أستعيد ما سُرق من عمرنا.

ساد الصمت بينهما مرة أخرى.

ثم قالت نرجس برفق:

- مهما حدث لا أريد أن يتحول بحثنا عن أهلنا إلى بحث عن المال.

أومأت فرح.

- أعدك. إذا لم يعترفوا بنا، فسأواصل حياتي مع طارق، و سأبني مستقبلي بيدي. وجودهم في حياتنا نعمة لكن غيابهم لن يكون نهاية الطريق.

اقرأ ايضا: قصة رسائل ورد وقلب سليم قصة قصيرة/ أنامل عربية.


رواية أقدار - وعد بين أختين

وقفت الشقيقتان عند باب المطعم.

قالت نرجس وهي تخرج محفظتها:

- اليوم الحساب عليّ.

ضحكت فرح وهي تمنعها.

- مستحيل أنت ضيفتي في المدينة.

قالت نرجس مازحة:

- إذن حين تأتين إلى المزرعة سأجعلك تدفعين ثمن العشاء كله.

- اتفقنا.

خرجتا من المطعم، وقد خفّ الحمل عن قلبيهما قليلًا.

لم تكن الحقيقة قد اكتملت بعد، ولم يكن الطريق إلى والديهما قد انكشف، لكنهما أدركتا أن وجود كل واحدة منهما إلى جانب الأخرى كان النعمة التي لم تستطع سنوات الفراق أن تنتزعها.


رواية أقدار - حين اقتربت الحقيقة من الباب

عادت نرجس إلى البيت في المساء، وكانت لا تزال تحمل في عينيها شيئاً من الدهشة التي تركها اللقاء في المستشفى.

استقبلها نبيل وبثينة بالأسئلة، فجلست بينهما وراحت تحكي لهما كل ما حدث؛ عن جدها الذي رأته للمرة الأولى، وعن جدتها ليلى، وعن الطريقة الهادئة التي استقبلتهما بها العائلة.

ظل نبيل صامتاً حتى انتهت من حديثها، ثم قال:

— ربما لم يكونوا سيئين كما تصورنا.

رفعت نرجس عينيها إليه.

— هذا ما أفكر فيه منذ خرجت من المستشفى.

تنهد نبيل وقال:

— لكن علينا ألا ننسى أن ما حدث بين عائلة والدك وعائلة أمك لم يكن خلافاً عابراً. يبدو أن العداوة بلغت في وقت ما درجة أعمق مما نستطيع تخيله. وما فعلته أمك حين هربت من منزل أبيها يوم خطبتها لم يكن أمراً سهلًا على عائلتها أن تتجاوزه.

خفضت نرجس رأسها.

— كلامك صحيح يا أبي.

ثم سكتت.

لكنها لم تكن تفكر في كلامه وحده.

كانت صورة زياد الحاج لا تزال حاضرة في ذهنها؛ وجه الرجل المريض، ابتسامته الهادئة، ونبرته حين تحدث إليها كما لو أنه يعرفها منذ سنوات.

وللمرة الأولى، تساءلت:

كيف يمكن للإنسان أن يقف أمام جده ولا يستطيع أن يقول له: أنا حفيدتك؟

وفي مكان آخر من المدينة، كانت فرح تعيش الحيرة نفسها.

كان اللقاء قد ترك في داخلها سؤالًا لم تستطع إسكاتَه:

هل يمكن أن يكون الأشخاص الذين خافت منهم طوال حياتها أقل قسوة مما روت لهم الحكايات؟

لم تجد جواباً.

رواية أقدار - المكان الذي جمع البدايات


رواية أقدار  - المعرض
معرض فرح وطارق النابض بالحياة


مرت أيام قليلة.

وجاء موعد افتتاح المعرض الذي أعدته فرح وطارق بعناية طويلة.

كانت القاعة مضاءة بطريقة ناعمة، واللوحات موزعة على الجدران في تناغم جعل المكان يبدو كأنه امتداد لعالم فرح الداخلي.

غلبت الطبيعة على معظم الأعمال؛ حقول خضراء، سماء مفتوحة، أشجار تتراقص تحت الريح، ووجوه بشرية تروي حكايات لا تحتاج إلى كلمات.

وفي أحد الجدران علقت لوحة كبيرة استوحتها فرح من مزرعة نبيل.

كانت الأرض فيها ممتدة تحت سماء واسعة، تتخللها الأشجار والبيوت الصغيرة، وفي عمق اللوحة كان ضوء الغروب ينساب على الحقول بلون ذهبي هادئ.

وقف بعض أساتذة الكلية أمام اللوحة طويلًا، وأثنوا على تطور أسلوبها ونضج تجربتها الفنية.

لم يكن هذا أول معرض لفرح وطارق، فقد سبق أن خاضا التجربة، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً.

كانت فرح تشعر بأن شيئاً ما سيحدث خصوصاً بعد قبول جدها زياد الدعوة.

لم تكن تعرف ماذا.

كل ما كانت تعرفه أنها كانت تنتظر شخصين بعينهما.

 كانت القاعة تبدو لفرح مختلفة عن كل مرة. ربما لأن اللوحات كانت معلقة على الجدران، والضيوف يتنقلون بينها، وطارق يشرح للزائرين تفاصيل الأعمال، وربما لأن قلبها كان ينتظر شيئاً لا تعرف كيف تسميه.

أما نرجس، فما إن دخلت القاعة حتى شعرت بشيء غريب.

توقفت عند المدخل، نظرت حولها طويلًا.

كانت قد زارت هذا المكان من قبل. لم يكن الأمر مجرد شعور عابر.

تقدمت خطوات قليلة، ثم وقفت أمام إحدى زوايا القاعة، حيث كانت تتذكر أنها وقفت ذات يوم إلى جانب وسام، في ذلك المعرض الذي غيّر حياتها إلى الأبد.

هناك..

في المكان نفسه تقريباً رأت فرح للمرة الأولى.

كانت تلك اللحظة لا تزال محفورة في ذاكرتها؛ نظرة طويلة لم تفهم معناها آنذاك، وشعور غامض جعل قلبها يضطرب دون سبب واضح، وكأن شيئاً مجهولًا كان يحاول أن يخبرها بأن هذه الفتاة لن تكون عابرة في حياتها.

ابتسمت نرجس دون أن تشعر. قالت في سرها:

"لو أخبرني أحد يومها أنني سأعود إلى هذا المكان بعد وقت قصير، وأن الفتاة التي رأيتها للمرة الأولى هنا ستكون أختي لما صدقته."

اقتربت منها فرح.

— ما بكِ؟ لماذا توقفتِ هنا؟

نظرت إليها نرجس لحظة، ثم قالت:

— أتذكرين أول مرة رأيتكِ فيها؟

ابتسمت فرح.

— كيف أنسى؟

أشارت نرجس إلى المكان من حولهما.

— هنا. يبدو أن هذا المكان كان يعرف شيئاً عنا قبل أن نعرف نحن.

قالت فرح:

— في المرة الأولى رأيتِ فتاة غريبة لا تعرفين عنها شيئاً.

ثم أمسكت يد أختها وأضافت:

— واليوم تقفين إلى جانب أختك.

ابتسمت نرجس، لكن ابتسامتها سرعان ما تراجعت عندما قالت:

— والأغرب أننا سنلتقي اليوم بجدنا وجدتنا هنا أيضاً.

ساد بينهما صمت قصير.

قالت فرح:

— كأن حياتنا تعيد كتابة نفسها في المكان ذاته.

نظرت نرجس إلى القاعة مرة أخرى.

لم تكن تعرف أن المكان الذي شهد أول دهشة في حياتها، سيشهد بعد قليل أول مواجهة مع جذور تلك الدهشة.

ولم تكن تعرف أيضاً أن دخول ليلى وزياد من باب القاعة بعد دقائق سيجعل هذا المكان يحتفظ بذكرى ثالثة، ربما تكون الأهم بينها جميعاً.

ففي المرة الأولى، رأت نرجس فرح ولم تعرف من تكون.

وفي المرة الثانية، عرفت أنها أختها.

أما اليوم..

فكانت على وشك أن تقف أمام الأشخاص الذين كان وجودهم سبباً في انفصالهما قبل أن تولدا.

جدتها.. وجدها.

رواية أقدار - المعرض الجميل
زياد وليلى يزوران المعرض


كانت تتحدث مع إحدى الحاضرات عن إحدى اللوحات، لكن عينيها كانتا تذهبان، دون إرادة منها، إلى باب القاعة.

ثم حدث ما كانت تنتظره. دخلت ليلى. وخلفها زياد.

توقفت الكلمات على شفتي فرح. التقت عيناها بعيني نرجس. لم تحتاجا إلى الكلام.

ركضتا تقريباً نحوهما.

— أهلًا بكما.. نحن سعيدتان جداً بحضوركما. قالتا بصوت واحد.

ابتسمت ليلى.

— ألم أقل لكِ إنني أحب المعارض؟

أما زياد فقال وهو ينظر حوله:

— الحقيقة أنني لست من هواة اللوحات كثيراً، لكن لدي فضول أكبر.

ترددت فرح.

— فضول؟

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— أريد أن أتعرف إلى والدكما.

تبادلت الشقيقتان نظرة سريعة.

كان السؤال بسيطاً، لكنه وضعهما فجأة أمام شيء لم تستعدا له.

وقبل أن يتطور الحديث، تقدم طارق مرحباً بزياد وليلى، وتبعه وسام، وبدأ الاثنان يشرحان لهما فكرة المعرض وبعض الأعمال.

لكن فرح لم تعد تسمع كل ما يدور حولها.

كانت تفكر في شيء واحد:

ماذا لو أخبرناها اليوم؟


رواية أقدار - سرّ بين ثلاث نساء

اقتربت فرح من نرجس وهمست:

— أعتقد أن علينا أن نخبر جدتنا.

نظرت إليها نرجس بقلق.

— الآن؟

— نعم.

— وهل تظنين أن هذا تصرف حكيم؟

صمتت فرح لحظة.

— لا أعرف.. لكن ماذا أمامنا غير ذلك؟ إذا كانت لا تريد الاعتراف بنا، فلتخبرنا بنفسها. على الأقل سنتوقف عن العيش بين الاحتمالات.

نظرت نرجس نحو ليلى.

كانت تتحدث مع إحدى السيدات، تبتسم بهدوء، وكأنها لا تعرف أن حياتها على وشك أن تنقلب رأساً على عقب.

قالت نرجس:

— حسناً.

اقتربتا منها، ثم أمسكت كل واحدة منهما بذراعها برفق.

— جدتي.. هل يمكننا أن نتحدث معكِ قليلًا؟

نظرت ليلى إليهما باستغراب.

— بالطبع. ماذا هناك؟

قالت نرجس:

— هناك أمر مهم جداً نريد أن نتحدث معكِ بشأنه.

راقبتهما ليلى لحظات.

ثم قالت:

— كنت أعرف أن وراء هذه الدعوة شيئاً.

اتسعت عينا فرح.

— ماذا تقصدين؟

ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة، لكن عينيها بقيتا يقظتين.

— منذ لقائنا الأول في المستشفى وأنا أشعر أنكما لا تقولان كل شيء.

تبادلت الشقيقتان نظرة سريعة.

قالت فرح:

— لكن المكان والوقت الآن ليسا مناسبين.

هزت ليلى رأسها.

— أتفق معكما.

ثم أضافت:

— تعاليا إلى منزلي غداً. نشرب الشاي ونتحدث بهدوء.

ترددت فرح.

— إلى منزلك؟

رفعت ليلى حاجبها.

— نعم. هل في ذلك مشكلة؟

ابتسمت فرح مرتبكة.

— لا.. أبداً.

ثم قالت نرجس:

— أعطينا العنوان والساعة، وسنكون هناك.

قالت ليلى:

— إذن اتفقنا.

ثم عادت وكأنها تذكرت شيئًا:

— بالمناسبة، أين والدكما؟

أشارت فرح إلى أشرف.

اقترب منها، وسلم عليها باحترام. وفي تلك اللحظة وصل زياد.

تغير وجهه قليلًا عندما رأى الرجل.

— إذن أنت أشرف وليد؟

ارتبك أشرف للحظة.

— نعم.

حدق زياد فيه طويلًا.

— أخبرتني الفتاتان أنك تعرفني.

توقف أشرف لثانية.

— سمعت عنك كثيراً، وكنت أتمنى أن ألتقي بك منذ سنوات، لكن الفرصة لم تأتِ. وعندما علمت بمرضك طلبت منهما أن تذهبا للاطمئنان عليك.

ظل زياد ينظر إليه.

— غريب.. كنت أظن أنك تعرفني من قبل.

ابتسم أشرف ابتسامة متكلفة. ورد بارتباك

— كنت معجبا بأعمالك الخيرية الانسانية.

ظل زياد صامتاً لحظات، وكأنه يحاول انتزاع ذكرى بعيدة من مكان مغلق في ذاكرته.

لكن فرح سارعت إلى إنقاذ الموقف.

— جدتي، اختاري أي لوحة تعجبكِ.

التفتت ليلى إليها.

— لماذا؟

— أريد أن أهديكِ إياها.

ابتسمت ليلى.

— هذا لطف منكِ.

أخذت وقتها تتجول بين اللوحات حتى توقفت أمام لوحة الطبيعة التي أحبتها.

— هذه.

ابتسمت فرح.

— اختيار جميل.

— سأحتفظ بها.

قالت فرح:

— وستكون أول لوحة تصل إلى بيتك من أعمالي.

لم تعرف لماذا شعرت ليلى بقشعريرة خفيفة عند سماع هذه الجملة.

ربما كان السبب نظرة الفتاة.

ربما نبرة صوتها.

أو ربما ذلك الشعور الغريب الذي لازمها منذ رأتها للمرة الأولى.

رواية أقدار - شكّ لا يجد له اسماً



رواية أقدار - حيرة ليلى
حيرة ليلى التي لا تجد لها تفسير

في طريق العودة، كان زياد صامتاً.

التفتت إليه ليلى.

— ما بك؟

— ذلك الرجل..

— أشرف؟

— نعم.

— ماذا بشأنه؟

قال زياد ببطء:

— لا أعرف لماذا أشعر أنني أعرفه.

ابتسمت ليلى.

— ربما سمعت عنه في مكان ما.

— ربما.

ثم سكت قليلاً قبل أن يقول:

— لكن الفتاتين..

نظرت إليه.

— ماذا عنهما؟

— هناك شيء فيهما غريب.

لم تجبه ليلى.

فهي أيضاً كانت تفكر فيهما.

قال زياد:

— من أين تعرفانني أصلًا؟

— قالتا إن والدهما كان يعرفك.

— لكنني لا أتذكر أشرف وليد. تحدث عن أعمالي الخيرية لكني لا اتذكر أني ساعدته يوما.

ثم التفت إليها:

— وماذا تريدان منكِ غداً؟

ابتسمت ليلى.

— هذا هو السؤال الذي لن يتركني أنام الليلة.


يتبع..

رأيك يهمنا

أحدث أقدم